عبد الله بن أحمد النسفي

206

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 266 ] أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ( 266 ) قلبه ، ومن لابتداء الغاية ، وهو معطوف على المفعول له ، أي للابتغاء والتثبيت ، والمعنى ومثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللّه كَمَثَلِ جَنَّةٍ بستان بِرَبْوَةٍ مكان مرتفع ، وخصّها لأنّ الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا ، بربوة عاصم وشامي أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ثمرتها ، أكلها نافع ومكي وأبو عمرو ضِعْفَيْنِ مثلي ما كانت تثمر « 1 » قبل بسبب الوابل فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها ، أو مثّل حالهم عند اللّه بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطلّ ، وكما أنّ كلّ واحد من المطرين يضعّف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها رضا اللّه تعالى زاكية عند اللّه زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ يرى أعمالكم على إكثار وإقلال ويعلم نياتكم فيهما من رياء وإخلاص . 266 - الهمزة في أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ للإنكار أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ بستان مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ لصاحب البستان فِيها في الجنة مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ يريد بالثمرات المنافع التي كانت تحصل له فيها ، أو أنّ النخيل والأعناب لما كانا أكرم الشجر وأكثرها منافع خصهما بالذكر وجعل الجنة منهما وإن كانت محتوية على سائر الأشجار تغليبا لهما على غيرهما ، ثم أردفهما ذكر كلّ الثمرات وَأَصابَهُ الْكِبَرُ الواو للحال ، ومعناه أن تكون له جنة وقد أصابه الكبر ، والواو في وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ أولاد صغار للحال أيضا ، والجملة في موضع الحال م ن الهاء في أصابه فَأَصابَها إِعْصارٌ ريح تستدير في الأرض ، ثم تستطع نحو السماء كالعمود فِيهِ في الإعصار ، وارتفع نارٌ بالظرف إذ جرى الظرف وصفا لإعصار فَاحْتَرَقَتْ الجنة ، وهذا مثل لمن يعمل الأعمال الحسنة رياء ، فإذا كان يوم القيامة وجدها محبطة ، فيتحسّر عند ذلك حسرة من كانت له جنة جامعة للثمار فبلغ الكبر وله أولاد ضعاف والجنة معاشهم ، فهلكت بالصاعقة كَذلِكَ كهذا البيان الذي بيّن فيما تقدم يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ في التوحيد والدّين لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ فتنتبهوا .

--> ( 1 ) في ( ظ ) ما كانت تحمل تثمر قبل .